الشيخ السبحاني
159
رسائل ومقالات
ذاتية ، وبالمعنى الثاني : مكتسبة . وبما ذكرنا يتضح معنى الآية الأُخرى التي اتخذ منها المخطئة ذريعة لنفي عصمته قبل أن يُبعث ، أعني قوله سبحانه : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » « 1 » . فقد وقعت الآية ذريعة لنفي العصمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتمسكوا في ذلك بأمرين : 1 . ما تدري ما الكتاب . 2 . و ( ما كنت تدري ) الإيمان . لكن الاستدلال مخدوش من جهتين : الأُولى : انّ حياته المشرقة بالتوحيد والإيمان - قبل البعثة - تدلّ على أنّه كان مؤمناً باللَّه ، متعبّداً إياه ، لم يسجد لصنم ، ولم يقترف سيئة ، فهل يمكن أن يكون مثله مجانباً عن الإيمان بوجوده سبحانه أو توحيده ، وقد كان - صلوات اللَّه عليه - يعتكف قبل البعثة في غار حراء شهر رمضان ، ولو أردنا أن نذكر جلّ ما ورد في التاريخ حول تلك الحقبة من حياته لطال بنا الكلام ، ولخرجنا عمّا هو المقصود . الثانية : ليست في الآية المباركة أية إشارة إلى ادّعاء المخطّئة فضلًا عن الدلالة ، لأنّه سبحانه بدأ كلامه في هذه الآية بقوله : « كَذلِكَ » أي كما قد أوحينا إلى من تقدم من الأنبياء ، كذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ، والمراد من الروح ، هو القرآن الموحى إليه ، وسمّي روحاً لأنّه قوام الحياة الأُخروية كما أنّ الروح قوام الحياة الدنيوية .
--> ( 1 ) . الشورى : 52 .